كاتب الموضوع :
كَيــدْ
المنتدى :
الروايات المغلقة
رد: قيودٌ بلا أغلال عانقت القدر
توقّف المصعدُ وتوقّفَ تفكيرهُ الذي كـان ينصبُّ في المطعمِ الذي تركَ فيهِ عائلته، رسمَت الجدِيّة خطوطها على ملامحه، على نظراتِه التي أشارَ بها لرجليْنِ كانا معه، في حينِ كان محمّد يمشي أمامهم بهدوءٍ وابتسامتهُ تعتلي شفاهه بثقةٍ عامرةٍ بالنجاحِ هذهِ المرّة، وقفَ أمامَ البابِ وهو يُخرجُ مفتاحَه ودونَ أن ينتبهَ بدر قامَ بالضغطِ على زرِّ جهازٍ صغيرٍ في جيبه، فتحَ الشّقةَ ودخلَ مبتسمًا في وسطِ الظـلام، هاتفًا بمكر : معليش بفتحْ الأنوار الحين.
اتّجه لمكبسِ الضوءِ في حينِ بقيَ بدر خارجًا بحذرٍ وكفّه تستعدُّ لالتقاطِ مسدّسه، فتحَ محمّد الأنوار، بينما صوتُ عبدالله يصلُ بدر بهدوءٍ يرتّل على مسامعهِ بوصايـا : انتبه ، كلّنا عارفين إنّه يبي يستدرجك، خلّك منتبه.
أومأ بدر وكأنّه يراه وعينيه تلتمعانِ حقدًا وإصرارًا، يرى أروى المسجّاةِ على سرير المشفى الأبيض، والدتهُ التي رحَلت، والدهُ الذي كان فرحًا بإجازةٍ أخذآها لأجلِ أن يُمتّع عائلته، لازال يذكر قبل التحاقـهِ بهذا الطريقِ كيفَ أنّ والده عارضَ في بادئ الأمـر وأرادهُ طبيبًا أو مهندسًا، كيفَ حاربهُ فيما يُريد، لا يزال يذكرُ كلّ خوفِه، والآن ومن هذا المنبرِ الذي يشهدُ على فقدهم أدركَ مخاوفـه، لكنّ فخرهُ بوالدهِ كان يجعلهُ يندفعُ ليُصبحَ مثله، شغفهُ بِالشعارِ على كتفه، بـ " اللواء غـازي "!! غازي الذي رأى فيه الفخرَ كلّه وطمحَ ليُصبح في يومٍ مثله، والآن هاهو يكرهُ ماهوَ فيه، يطمحُ بعد طموحِه ذاكَ ليترك كلَّ هذهِ المعمعةَ ويحضى بعائلتهِ فقط.
تحرّك ليدخُل ويدهُ لا تزالُ تستقرُّ على مسدسه، ومن خلفهِ تحرّك الاثنين معه، من الواضِح أنّ محمد لم يكُن يبالي بهما، ما خطّته!!*
دخلوا الشّقةَ بحذر، تحرّكت أعيُنهم هنا وهنـاك، كانَ بدر ينظُر لعيني محمد الوديعةِ والمبتسمةِ إليه، يُحاولُ قراءة شيءٍ في عينيه، بينما تحرّك محمد ليتّجه إلى غرفتهِ وهو يهتف : الملفّات والدلائل في غرفتي، الحين بجيبها.
ليختفي أمام عينيه إلى غرفته التي تركَ بابها مفتوحًا وكأنّه يُخبرهُ أنّ لا شيء ليخافَه، عقدَ حاجبيه، ومن ثمّ همسَ بحيرة : وتّرني هدوءَ المكان!*
عبدالله من الجهةِ الأخرى : لا تفقد تركيزك واطرد عنّك التوتر، فيه إنّ بالموضوع خلّك مركز، هالهدوء مو لله!
عضّ زاوية شفتهِ السُفلى وهو ينظُر لمحمد الذي كان يعبثُ في أدراجِ مكتبةٍ أمامه، حرّك عينيه ليتفقّد المكانَ الهادئ والمُرتّب، ومن ثمّ بدأت قدماهُ تتحرّكان ليفتحَ الأبوابَ ويتفقّد هذهِ المرّة كلّ زوايـة، دخَل الحمـام وتحرّكت أحداقهُ ناظرًا لكلِّ شبرٍ وعقلهُ لم يقتنع فعلًا بهذا الهدوء، توقّع أنه حينَ يجيءُ سيجدُ من ينتظر، لم يكُن ليطلبَ منهُ أن يرافقه إلى شقّته هكذا!!
لوَى فمهُ وقد بدأ الغضبُ يُزاوره، تحرّكَ ليخرجَ وهو ينوِي الاتجاهَ هذهِ المرّة للغرفـةِ ذاتها التي يبحثُ فيها محمّد، لكنّه تفاجئ برؤيته للرجلين اللذينِ كانا معهُ طريحينِ على الأرض، اتّسعَت عيناهُ ووضعُ يدهُ على سلاحِه بسرعة، لكنّ فوّهةً من خلفهِ استقرّت على منتصفِ ظهرهِ جعلت يدهُ تتيبّس، رفعَ كفيه وهو يعضّ على شفتهِ ليُحاذيهما بكتفيه، وفي تلكَ الأثنـاءِ كان محمّد يخرجُ من الغرفةِ وهو يضحك : توقّعتك تماطِل وتآخذ الموضوع بلعانتك المعتادة وما تجي . . تميم!
ابتسمَ تميم ابتسامةً باردَة وهو يتجاهلُ حديثهُ كلّيًا ويضغطُ على ظهرِ بدر وكأنّهُ ينوي اختراقهُ بفوّهةِ مسدّسه، يدهُ امتدّت لينتشلَ مسدّسَ بدر من جيبهِ ليضعهُ في جيبهِ هو، وبنبرةٍ جافة : خلّى عنك البربرة واهتمْ في هالحثالة اللي جابهم الأخ ويّاه.
ضحكَ محمد بتسليةٍ وهو يبتعدُ ليدخُل غرفته حتى يُحضر ما يقيّدُ بهِ الرجلان، بينما كانت شفةُ بدر تُناجِي ما يُخفّفُ وطأةَ أسنانهِ الغاضبـة، بالقهرِ الذي في صدره والذي نضجَ حين سمعَ صوتَ تميم، هذا الصوتُ الذي باتَ يكرهه، الملامحَ الغيْرَ شرقيةٍ والتي يراها ملأتْ كلَّ القُبح.*
عضَّ تميمْ شفتهُ بتسليةٍ وهو يرفعُ يدهُ الأخرى ويخلعُ قبّعةَ بدر الصوفية والتي كانت تغطّى أذنيه : وأخيرًا شفناك!
بدر بضيق : ابعد يدك الوصخة ذي.
تميم يتجاهلهُ وهو يلتقطُ السماعةَ الصغيرةَ من أذنه : كفو والله ، خلّوكم كذا متحرّكين تجننوني!! عارفين يعني حاسْ بملل وما عندي غيركم.*
كانَ يدرك أنّ صوتهُ يصلُ إليهم من الجهةِ الأخرى، ضحكَ ضحكةً مستخفّة وهو يرمِي السماعةَ بأقصى مالديه من قوّةٍ لتصتدمَ بالجدارِ وتتحطّم، بلل شفاههُ ومن ثمّ دفعهُ من كتفهِ ليتحرّك وهو يلفظُ باستخفاف : من يُوم شفتك هذاك اليوم بالمطـار وأنا أدعي إنّي أشوفك مرة ثانية يا عيُوني ، أنا متأكّد إني صالح كفاية عشان ربّي استجاب دعواتي.
بدر بقهرٍ وهو يتحرّك باتّجاهِ غرفةِ محمد التي كان يقُودهُ إليها تميم : صالح بعينك!*
تميم باستفزاز : ما عليه ، بمسحها بوجهك هالمرّة وبالحظ اللي خلّانا نلتقي.
كانَ محمد في تلك اللحظةِ قد خرجَ بحبالٍ متينةٍ معه، أمرهُ تميم بأن يجلسَ على مقعدٍ خشبيٍ ذي ذراعين، ومن ثمّ ارتفعَ صوته آمرًا محمد أن يُحضر لها ما يقيّدهُ بها.
دخَل محمد مستنكرًا بعد لحظات : أنت شتسوي؟ محنا جالسين خلنا نمشي.
تميم بحدة : نفّذ الكلام وأنت ساكت.*
لوى محمد فمهُ بحنقٍ وابتعد، في حينِ أعاد تميم نظراته إلى بدر وهو يبتسمُ بتسلية : والحين! نسولف ويّاك والا أيش بالضبط؟
،
لا يستطيعُ فتحَ عينيه، يشعر بأنّ أجفانهُ ثقيلة، الظـلامُ يسحبُ كل نورٍ في حدقتيه، ثقلٌ أصابَ جسده، هنـاك شيءٌ ما يضيقُ عليه، يشعرُ بجبلٍ يطأُ صدره، هل هي رحلـة الموت! هل ابتعدَ عن الحيـاة وبدأ النزاعَ مع الروح؟ هل انتهى كلُّ شيءٍ هـنا؟ هذهِ النهاية التي لم يُرِدها ولم يطمحْ إليها بعد سنتين، لم يطمَح إليها بعدَ دهريْن ابتعد فيها عن حيـاتِه، كانَ ميّتًا طيلةَ العامين الساريين! كان ميّتًا موتًا أقسى من الآن، كان ميّتًا! ميّتًا وانتظر البعثَ بيـأس.
لمَ النهاياتُ حزينة؟ تكتبُ نفسها في الأسطرِ الأخير بقسوةٍ وحدّةٍ رغمًا عن بطلِ الروايـة، لمَ تجيءُ النهاياتُ بكلَّ ذاكَ الشرْ، لطالمـا كتبتُ المعلّقاتِ في ابتعادِي، لطالمـا فكّرت في بدايةٍ أكتبُ فيها قصّةً تحكِي عن غائبٍ لفظهُ وطنهُ وغابَ عن الحيـاة، لطالما أردتُ بطلًا اسمهُ - متعب -! يطابقُ في أحرفهِ كلمةً تعني التعب/الإرهاق، اختلفَت الحركـات، لكنّ المصيرَ واحد، واحدٌ مع مرتبةِ الوجَع.
أصواتٌ عديدةٌ تتداخلُ في رأسه، أنا ميّت! ويُقال أنّ الميت يسمع أصواتَ الأحيـاء من حوله، لا يعلم جديًّا إن كان ذلكَ حقيقيًا أم لا، لكنّه الآن يسمع! . . يالخيبتـه! أن يهربَ من الموتِ لسنتين، لسنتين! كثيرةٌ والله! الآن شعرَ بثقلها، كيف مرّت؟ كيفَ استطاعَ العيشَ فيها؟ كيفَ تمكّن من التكيفِ على حياةٍ لم تكُن له، لم يعتدها أبدًا وأرغمته أخيرًا عليها، يا لبؤسهِ حقًا! حتى الآن لا يفهم كيف احتمل، منذ تورّطَ في تلكَ المعمعةِ وحتى النقطةِ التي صُدمَ فيها من خيانةِ أخيه، تلكَ الخيانةُ وحدها كافية! كافيةٌ ليمُوت، فكيفَ عاش! كيفَ عشتُ يا شاهين حتى هذهِ اللحظة وأنت من وجّه إلى قلبي سلاحَ الغربـة، سلاحًا لم يوجعني كما أوجعني حامِله، كما أوجعتني أنت! كيفَ استطعت؟ كيفَ تمكّنت من تدمير سنينَ بيننا تشاركناها بضحكةٍ وأمْ! علّمني كيف أكره؟ لم أستطِع فعلها يا شاهين وأنا الذي إن أحب لا يبدو أنّه سيستطيعُ يومًا العكس، أنا الضعيفْ! الذي لم يقدر حتى الآن على زرعِ مشاعرَ سلبية! فكيفَ قد يُفكّر بالإنتقام! وحدهُ الانتقام ماقد يُشفي غليلَ رجلٍ غُدر مثلي، لكنني لا أقدر! فكيف أفعلها؟ علّمني فقط كيفَ أحمل مشاعرَ سوداءَ كما حمَلت.
شعرَ بلمسةٍ تحرّكت من زاويةِ عينهِ اليُسرى إلى أُذنه، كانت دمعةٌ قد سقطَتْ! رغمًا عنه بكى من جديدٍ هذا الخذلان، من يمسحُ دمعيَ الآن؟ أيُّ لمسةٍ هذهِ التي كفكفَت دمعي وأنا الذي كنتُ إذا بكيتُ تركتُ دموعي تجفُّ لأغسلُ ملوحتها فيما بعدُ بماءِ الوضوءِ أو الاستحمام. فتحَ عينيه الثقيلتين بصعوبة، يرى أضواءً تتداخلُ أمامه، شتّتَ عينيه اللتين تؤلمانهِ ليلمحَ فيصل الواقف بجانبهِ وهو يبتسمُ بعطفٍ ويسحبُ يده، تنحنحَ ليلفظَ بهدوء : أخيرًا صحيت!
رمَش دونَ استيعاب، هل ما يزال حيًّا؟ لم يركب قطارَ الموت بعد!!، حاولَ النهوضَ وقلبهُ ينبضُ بقوّةِ اضطرابهِ من حياةٍ كتبها اللهُ من جديد، لكنّهُ شعرَ بصداعٍ انتشرَ في مؤخرةِ رأسه وألمٍ عنيفٍ في عنقه، بلل شفتيه الجافتين ولفظَ ببحّة : وش صار؟
فيصل بهدوء : أنت بخير ، لا تحاتي ، قدرنا نلحق عليك بآخر لحظة.
متعب بألمٍ وهو يضوّق عينيه : وأيش صار عليهم؟
فيصل : قبضنا عليهم ، المهم الحين أنت وش تحس فيه؟ كنت بآخذك للمستشفى بس شفت مالها داعِي ودخّلتك لشقتك .. معليش دخلت من غير أذنك.
قالها وهو يضعُ المفتاحَ وهاتفه الذي تهشّم قليلًا بعد سقوطِه على طاولـة الكومدينة بجانبه، صمتَ متعب لا يجدُ ما يقُول، بينما شتّت فيصل نظراته على الغرفةِ التي ملأتها فوضى الأوراقِ على الطاولةِ المكتبية والكثير الذي سقطَ على الأرض، وبهدوءٍ ابتسم : أنت محظوظ تدري؟!
ابتسمَ بأسى، تلكَ الكلمـةُ لا تناسبه، من المحظوظُ الذي يُلفظُ في منفى كهذا؟ في جحيمٍ كالذي هوَ فيه، بقيَ حيًّا، وهذا وحدهُ وإن أسعدهُ لا يكفي ليقُول عن نفسهِ محظوظ . . شكرًا لكَ يا الله، شكرًا لكَ على سنتين بقيْتُ فيها صامدًا ولم أمُت.
رفعَ يدهُ ليضعها على جبينهِ بألم، هذا الصُداعُ الذي ينتشِرُ في رأسهِ لا يُساوي شيئًا أمام عرقلةٍ لحياتـه التي لم تنهض بعد، بقيَ صامتًا ولم ينبس ببنت شفة، يُحادثُ السقف الذي اعتاد محادثتهُ كلّ ليلـة، يُخبرهُ بوجعه، يطلبُ منه أن يتلقّاهُ بصدرٍ رحب.
في حين انسحبَ فيصل بهدوءٍ حتى يتركهُ وهو يرى شرودَه، خرجَ من الغرفةِ وجلسَ في الصالة، وبقيَ ذاكَ في مكانِه كأنّ الدنيـا لم تعدُ تستوعبهُ حتى أنّه لم يشعر بخروجِ فيصل.
الآن لا يحتـاجُ أحدًا سواه، يحتاجُ أدهم كما لم يحتجهُ من قبل، لكنْ كيفَ عساهُ يخبرهُ بكلِّ ما استجدَّ في حياته وهو الذي يدرك أنّه سينفعلُ ويجيءُ إليه، كيف يعرّضه للخطـر!!
،
كفكفَت أكمامها الطويلة وبنطالها القطني الرمادي كمزاجها، رفعَت شعرها في ذيلِ حصـان، هاهيَ عادةٌ قديمةٌ لها تعُود اليوم، عادةُ التنظيفِ حينَ الملل أو الغضب، انسلخَت من عاداتها لأيـامٍ بحجّةِ التعب، أو لرُبّما الحُزنُ وصل إلى ذروةٍ لا يحتمل تفريغهُ بأنشطةٍ حياتيةٍ كهذه، لا يحتملُ تفريغهُ إلا بهزيمةِ من أحزنها، هزيمتهِ بسلاحِ عشقِها موجّهةً لهُ إلى قلبهِ مباشرة.
زفَرت بقهرٍ من أفكارِها وهي ترفعُ صوتَ الراديو الذي يتلو بصوتِ الشيخِ عبدالباسط عبدالصمد سورةَ مريمْ، تحرّكت نحوَ الغرفـةِ التي احتضنتها لشهرينِ وأيام، تلكَ التي صادقتها في أوّلِ ابتعادٍ لها عن رائحتهِ في غرفتهما، ذاكَ الابتعادُ الذي أحلّهُ هوَ بكلماتٍ محرّمةٍ نطقها بشفاهِه - العاصية -! ، لازالت تذكُر كيفَ عاشَت تلكَ الأيـامَ كمراهقةٍ تنتظرُ رسـالةً أو مكالمةً من حبيبها في السر، كيف كانت تُحادثُ الوسـادةَ بجانبها بأنّها تكرهها لأنّها أخذَت مكانـه! ؛ من تعيشُ في حضنِ رجلٍ تحبّهُ لسنينَ لا تعتـاد أبدًا ذاكَ الفُراق، لا تعتادُ أبدًا ملمسًا ناعمًا من وسادةٍ قطنيةٍ باردة بعد أن كان صدرهُ الدافئ هو وسادتها التي تهتدي بها إلى النوم، كان قاسيًا جدًا حينَ ابتعد! قاسيًا جدًا، جعلها تعتادُ - ولو قليلًا - على بعدهِ خطوات، هو الذي خلقَ في صدرها هذا الجفـاءُ وإن كان بدأ بذرةً والآن نمى، هو الذي سبّب كل شيء! البذرةُ ستنمو، مهما طال مكوثها في هيئتها ستنمو، وأنت يا سيف لا تتوانى عن سقي هذهِ البذرةِ بأفعالِك.
ممتنةٌ له! لأنّه خلقَ تلك البذرة ولم يجعلها تعِيش الآن بحزنٍ وبكاءٍ أكبر لأنّه نوى الإبتعادَ إلى امرأةٍ أخرى.
شعَرت بالضيقِ من كمِّ بلوزتها الواسعة والذي يسقطُ على ذراعيها كلّما كفكفته، لذا تأفأفت بقوّةٍ وهي تخلعه وترميه على الأرض لتبقى بـ " البدي " الأسود، دخلَت الغرفة الخاويـة والمظلمة، كبسَت زرّ الإنارة بجانبِ الباب لينتشر الضوءُ وينقشعَ الظلام، رأتْ ديما فجأةً فوقَ السرير! ظلٌ لها لازال يحيا في هذهِ الغرفة، تُمسك هاتفها وتطلّع برسائِل قديمةٍ لهُ كتبها بأصابِعَ جافّة، معظمُ تلك الرسائل مجرّد ردودٍ واجبةٍ عليه ليس فيها من العاطفةِ شيء! " ما أحب أكل الخدّامات! سوي أكلي أنتِ وأبيه جاهز قبل لا أرجع " ، " اليوم مافيه روحة لأهلك! مو قايل لك قبل لا أطلع يعني ما تفهمين؟ لا يعني لا ! لا عاد تزنين على راسي " ، " العطر اللي شميته عليك اليوم قبل لا أداوم ما عجبني! ارميه ".
كلّ تلك الرسائل وشبيهاتِها كانت في بدايةِ زواجهما، كانت تتضايقُ منها! لكنّها تقرأها بعينٍ أخرى، مؤمنةٌ كانت بأنّ لكلٍّ أسلوبه في التعامل، كانت تعذره! تحاول التأقلم مع جفافِ شخصيته، تصنعُ لهُ من الأعذارِ ألفًا لا سبعين، وحديثهُ ذاكَ لم تكُن تقيسُ بهِ شخصيته بل صنعَت من كلِّ شيءٍ معنى ، لا يُحبّ أكل الخادمات، يريدُ طعامها، طعامَ عروسته! لا يريدها أن تذهب لعائلتها لأنّه يريدها قربه، رائحتها دائمًا ما تفتنه، وذاك العطر لم يكن بحجمِ فتنتها المعتادة، لذا استفزّه!! . . صنعَت لهُ الأعذارَ والكناياتِ عن مشاعرَ لم يقُلها لكنّها جعلت عقلها يصدّقها، حتى وقعَت به! وقعَت في حبائله، ما الذي فعلتهُ بنفسها؟ مرّت الأشهرُ بينهما طويلةً وهي التي كانت تجعل من كلِّ يومٍ شهرَ عسل! تتزيّن لهُ فتغويه، تُرضي أنوثتها بعينيه اللتين تلتمعانِ كلّما رأى زينتها ليغرقَ بها أخيرًا، وشيئًا فشيئًا قسَى أسلوبه أكثر، شعَرت بأنّه يزدادُ تملكًا! يزدادُ تضييقًا عليها حتى يكادُ يحشرها بين ذراعيه فقط لو استطـاع.
" تزيّني بالأسود! وتعطّري بعطرِك اللي أمس، شعرك خلّيه على كتوفك لا تلمّينه! " ، رسالةٌ جاءتها ذاتَ ليلة وقبل عودته للمنزل، لازالت تذكُر فرحتها التي انتشَت أخيرًا بكلماتٍ فيها بعضٌ من الغزلِ الخفي الذي أخبرها أنّها بالأسودِ فتنة، بعطرها ذاكَ مُغرية، بشعرها المِنسدلِ كشلالٍ على كتفيها جذّابـة، جعلها رغمًا عنها تُسهبُ في زينتها، ترتدي الأسود، تغرقُ في العطرِ الذي فتنه، تتركُ شعرها منسدلًا على كتفيها . . يا لشفقتها على نفسها! الآن تشعر بلوعةٍ في حلقها، كيف أنّها كانت تكاد تطير فوقَ سحابةٍ من السعادة، فتنتهُ فعلًا! رأت أثرَها كأنثى في عينِ رجُل، لو أنّها كانت بارعةً في إغوائه ليحبّها كما برعَت في إغواءِ الرجل! لو أنّها كانت أشدَّ وطأةً لتصل إلى قلبه! ، كانت تُشبعُ رجولته فقط، وليتها برعَت في أعمقَ من ذلك.
أغمضَت عينيها بقوّةٍ حتى تطردُ صورةَ ديما المراهقةِ عن عقلها، صورة ديما على السرير . . صدّت بوجهها وهي تغلقُ الأضواءَ بيدها التي كانت معلّقةً بالمكبس منذُ فتحته، استدارت لتخرج بعد أن جرفتها أمواجُ الذكرياتِ إلى شاطئٍ حارٍ من الأوجـاع، لكنّها تيبّست في مكانِها وهي ترى سيفْ يقف خلفها ناظرًا إليها بنظراتٍ جامدة بينمَا تجعيدةٌ سكنَت بينَ حاجبيه المتوترتين.
اضطرَب تنفّسها قليلًا، لكنّها سرعان ما طرَدت اضطرابهُ وهي تُسكن الجمودَ في عينيها بالمقابِل.
تحرّكت شفاههُ بهدوءٍ متسائلًا بنبرةٍ استطاعت قراءة القلق فيها : وش تسوين بهالغرفة؟
أدركَت ببساطةٍ قلقهُ من كونها تنوِي فعلًا المكوثَ فيها بعد أن قالتها لهُ مرةً وفضّلت الإبتعاد، رفعَت حاجبًا بتلاعب، وارتفعَت زاوية فمها بغرورٍ وهي تردُّ بنبرةٍ ثقيلة : ناوية أشوف إذا هي نظيفة أو لا ، بنقل لها من اليوم إن شاء الله لين ما تطلّقني!
شعَرت بملامحهِ تحتدُّ بغيظٍ وغضب، باتت تُدركُ أنّ القهرَ يتسللُ إليه كلّما قالت تلكَ الكلمة، هل صدَق حين قال لها أنّه يخافُ فقدانها؟ هل صدقَ أمْ أنّها كلماتُ تخفيفٍ قالها ذلك اليومَ بعدَ أنْ سمعت قرارهُ مع أمّه؟ وإن صدق يا الله! خوفهُ ذاك نابعٌ من ماذا!! بالتأكيد من اعتيـادٍ وتملّك.
صدّت بعينيها عنهُ حينَ لفظَ بنبرةٍ قارسـة : الحين بقفّلها وآخذ مفتاحها معي ونشوف بعدين إذا بتحصّلين غرفة تهربين لها منّي يا هانم.
لوَت فمها بحنقٍ وهي تنفخهُ بهواءِ رئتيها دونَ أن تنظُر إليه، حينها ابتسمَت شفاههُ رغمًا عنه وهو يلمحُ تعابيرَ الحنقِ في نفخها لفمها، باتت تُدرك كيفَ تستفزّه بعد أن كانَ سابقًا يستفزّها كثيرًا ويُحزنها ليالٍ وأيـام، يُدمعُ عينيها المُعتمتين بقسوةِ لسانـه، يدركُ أنّه قاسي، لكن ليسَ كلّ مافيه كذلك! يكفي أنّه أحب رقةً كرقتها المتلحفةِ في سمارِها.
رفعَ كفّه ليُلامِس بأطرافِ أناملهِ كتفها العاري، حينها انتفضَت ونظَرت إليه بحدّة، تراجعَت بنفورٍ لتدخُل لعتمةِ تلكَ الغرفةِ لكنّه أمسكَ كتفها وجذبها إلى حضنه، أسكنها بين كتفيه وهو يبتسمُ " بلعانة "! : شوي وأحلف إنّك تتوحمين علي صدق.
ديما تحاولُ الابتعاد عنه بقهر : أي أتوحّم عليك ، عشان كذا اتركني لا أرجّع فوقك.
سيف بعبث : سوّيها وأحلف لك بحضنك بعدها كذا عناد.
ديما بقرَف : الله يقرفك.
ضحكَ بمتعةٍ وأناملهُ تداعبُ بشرةَ كتفها المكشوفة، يشعُر بانتفاضةٍ لم تعُد كما كانت سابقًا، لم تعُد بذاتِ العنفوانِ والشغف، باتَ يرى جليًّا محاولتها في المقاومة، لكنّ تلكَ الرعشة الضعيفة كافيةٌ لتُرضيه من بعد قلقهِ من ابتعادها عنهُ وجفاءها لهُ بهذهِ الفتـرة، كافيةٌ ليُدرك أنّه لازال لهُ تأثيرٌ عليها وإن قاومته.
قبّلت شفاههُ مفرق شعرها، وأناملهُ ترسمُ دوائرَ على كتفِها وهو يهمسُ بصوتٍ أجَشْ : لمّا يصير شكلك فوضوي كذا، تكفّكفين بنطلونك ورافعة شعرك بعشوائية وصوت القرآن منتشر بالجناح، أفهم إنّك متضايقة وتطلّعين ضيقتك بالتنظيف!
عضّت طرفَ شفتِها وهي تُغمضُ عينيها، عقلها دائمًا ماكان يستقبلُ موجاتِ صوتِه كالصوتِ الوحيد الذي يسمعهُ أصمْ! ثمينٌ لديها لأنّها صمـاءُ عن كلِّ الأصـواتِ عداه. ماهذا الوجع؟ ماهذا الإنتماءُ إليه؟ مهما كان جافًا، مهما تخيّلته في أحضانِ سواها، مهما ابتعدَ وكانت مشاعرهُ غيرَ صاخبةٍ كصخبها!! تبقى تجدُ روحها تلتصقُ بروحه، عيناها بعينيه، مساماتُها تُسدُّ برائحةِ عطرِه المُحبّبةِ إليها.
وجَدت نفسها تُغرقُ وجهها في عُنقهِ لتصلها رائحتهُ بقوّةٍ وتتنشّطَ أعضاؤها بِه، وبهمسٍ متحشرجٍ بجزيئاتِ عشقها له : هقوتك وش سبب ضيقتي؟
رفعَ رأسهُ وهو يتنفّس بقوةٍ مضطربةٍ ويُغمضُ عينيه بعد أن سرقَ من الزمنِ لحظةً تصتدمُ بها أنفاسها بعنقه، تلامسُ فيها بشرتهُ بشرتها الدافئة . . ليُرضي هذا الوجعَ في جسدهِ ببُعدها بالقليل، بالقليل من الوقتِ الراحِل على ظهرِ السفَر، كلُّ الدروبِ لا تستقبلُ وقتًا ينوِي الرجوع، لا تستقبله، لذا سيُشبعُ شوقهُ بلحظـةٍ ستعبُر ولن تكُون عابرةً في روحه، لحظةً لن تعُود. همَسْ : حب أبو كلب!!
ابتسمَت رغمًا عنها وقاومَت ضحكةً تُريد العبُور من بينِ شفتيها، ضحكةً سيبقى الوجعُ فيها ولن يبُور : عارف نفسك ما تستاهل!
سيف : والله ما أستاهلك! بس دايِم الأعوَج يبي شيء مُستقيم يغطّي اعوجاجه.
ديما بابتسامةِ أسى : من زمان ما غازلتني بغزلك الكاذب.
ضحك رغمًا عنهُ وبعلوٍّ كأنَّ الضحكَ غادرهُ لأيـام، كيف لا! والضحكُ معها حياةٌ أُخَـرْ : طلعت مررة طايح من عينك.
ديما بغصّةٍ وضحكتهُ تأجّجُ رغبتها في الالتصاقِ به وكأنّها تطلبهُ الحمايةَ من إغوائها : ما تساعِد عشان تبعد غير هالصورة ، ليتك تساعد وتفرّحني ولو بنسمَة مشاعر! ليتك!!
سيف وكفّهُ تدلّكُ ظهرها برقّة : خذي الكلمة من عيني ، ما أعرف أكُون صريح! ما أعرف غير الجفاف يا ديمتي!!
ضاعَ استيعابُها وهي تجفُل وأنفاسُها تضطربُ مصتدمةً بعُنقهِ بربكةٍ وصَلت إليه، هل يفهمُ عقلها الآن مجازًا عن " أحبّك "؟ هي التي انتظرَتها من شفاههِ كثيرًا، هي التي انتظرتها سنينَ وأشهرًا، هي التي تعلّقت بصورةٍ مثاليةٍ أمامه حتى تحضى بها، حتى تظفُر بمشاعرَ تخصّها هي وحدها، هي وحدها!! أتخدعُني أذناي؟ قلبي الذي اضطرب؟ رئتيَّ المنقبضتين خلفَ أضلعي، هل انحلّت أعضائي عني وخذلتني أم أنّهُ بالفعل يقولها؟ يقُولها بطريقةٍ لا تُشابهُ سواه، طريقةٍ تعنِي - أحبّك -! طريقةٍ تعني كلمةً بُترَت من صوتِه ومالَت حبالُه الصوتية عن مخارِجِها، كلمةً انتظرتها يا سيف، أنتظرتها ولا أستبعدُ أن أكُون الآن أتخيّلها في لحظةٍ شعرتُ بها بدفءِ جسدكَ وعادَت بها أوهامِي بحبّك، ليتكَ تُدرك كم أنّ الجفافَ لسنينَ صنعَ مني امرأةً مُثيرةً للشفقة، امرأةً تُبكيها شفاهُك الصامتة، لم تعُد تبكيني الكلمات، صَار الصمتُ هو ما يُبكيني، صارَ يدغدغُ الدمُوعَ في محاجرِي ويُسقطها لتستقرَّ فوقَ بحيرةِ ألمي وتصنعَ بها توترًا سطحيًا يُخبركَ بعددِ دوائرهِ كم - خِبتْ -! كم خبتُ وأنا أتّكئ على طرفِ لسانكَ حتى تصلنِي تلك الكلمة قبل أن تخرجُ من فمِك.
ابتعدَت عنهُ باندفاعٍ وهي ترفعُ نظرَاتِها إلى عينيه تمنّي نفسها قراءَتها، تمنّي نفسها التقاطَ أحرفٍ أربعَ تجيءُ بسفينةٍ من شفقِ الضيـاع، سفينةً تُنقذها من توهانِها في وسطِ محيطِه.
ابتسمَ سيفْ وهو يقرأُ الشغفَ في عينيها قبل أن تقرأهُ هيَ، يقرأُ انتظـار سنين، يُدرك كم هوَ قاسٍ! كم هوَ جافٌ حتى بحبّه، كم يُكابِر وهذا الحُب هو الأقسى! الحب الذي تصنعهُ فتنةُ عينيها كيفَ عسايَ أكابرُ به؟ كيف استطَعت؟ كيف تمكّنت بالرغم من شفافيتها؟ كنت غامضًا، غامضًا كثيرًا حتى على نفسي، بخوفي! بخشيَتي من ماضيَّ أن يتجددَ فيكِ حينما أسلّمك تلكَ الكلمة.
أغمضَ عينيه وانحنى إليها ليقبّل عينيها، قاومتهُ وهي تحاولُ القراءةَ كطفلٍ يتعلّم الأبجديّات لأوّل مرةٍ لذا صعبَت عليها قراءةُ عينيهِ بسرعة، ابتسمَ بتلاعبٍ وهي يشدُّها إلى صدرهِ وينحني إلى أذنها هامسًا بعبَث : عندك الحيـاة بكبرها، دوّري عليها وأنتِ وشطارتك، حاولي تحصّلينها لأنّي فاشِل وأظنّك أدركتِ هالشيء من ثلاث سنين وأكثر بيننا.
رفعها من خصرها إليهِ قليلًا وأكملَ بابتسامةٍ عابثة أمام اتّساعِ عينيها بذهولٍ وتشنّجِ جسدها عن أيّ حركة : اشتقت لك! بنتي هذي حالفة تبعد بيننا قبل لا تجي حتى، من بدايتها وقاحة وعقوق! . . معلِيش للشهُور اللي وصّت فيها الدكتورة عشان نبتعد، أبُوك اشتاق لأمّك، بس تراه طيّب وحنُون ومستحيل يأذيك يا روحه.
قالَ كلماتهِ الأخيرة بضحكةٍ وهو يسرقُ قبلةً من شفتيها، بينما شهقَت هي ويديها تحاولُ مقاومةَ اشتياقه، لكنّها كانت أضعف، بحجمِ اشتياقِها هيَ أيضًا، بحجمِ شغفها لوسادتِها التي غابَت عنها، بحجمِ اضطرابِ قلبها الذي بحثَ كثيرًا عن أربعةِ أحرفٍ دُفنَت في جفائه.
هل تسلّم بذاكَ المجاز؟ أنا التي كرِهت قواعدَ اللغة كثيرًا، لمَ تجيءُ عند ما انتظرتهُ لتجعل منها مجازًا؟ تقُول نثَرت حبّكَ في أحداقِك؟ تقول زرعتَ شيئًا من ممتلكاتِي قُرب محاجِرك؟ يا الله! يا ربّي! لا تجعلنِي في حلمٍ أفيقُ منهُ لأصتدمَ بواقعٍ آخر، لا تجعلهُ كاذبًا! في كلِّ شيءٍ سأغفر، حتى على خيانته! على كلِّ شيء، أستطيعُ غفرانَ كلِّ شيءٍ إلا الكذبَ والتلاعبَ في شيءٍ انتظرته وهو الدواءُ لأحزانِي.
أحاطَت عنقهُ وهي تدفُن وجهها فيه، نسيَت كلّ شيءٍ وأوّل تلكَ الأشيـاءِ بثينة، نسيَت قرارها بالصد، بالابتعاد، نسيَت أنّها أقسمَت من دستورِ الكرامةِ المُهدرةِ ألا تبقى زوجتهُ وهو سيحتضنُ أخرى.
قُلتها لكِ أخيرًا! بطريقةٍ ملتويةٍ لا تُهمنا في منتصفِ هذهِ المشاعِر، قُلتها وكلِّي يُدرك كم أنّها صعبةُ المراسِ على شفتاي، إن مرّت ستجرحهما! أدركُ أنّ انتظاركِ لا تكفيه كلمات العيُون، لكنّني لا أُجيدُ سواها! لطالمـا شرحتُ لكِ فتنتكِ بعينيَّ دونَ شفاهي، لطالمـا رأيتِ تأثيركِ عليَّ في أحداقي، تدركينَ أنّني لا أُجيد الحديثَ كثيرًا، لا أُجيدهُ يا ديما!
علّميني أنتِ! كيفَ أقولها بلساني، علّميني كيف ألفظُ - أحبّك - ولا يزهقُ جماليتها التردد! أليسَ يُقال بأنّ لغة العيونِ أعمق؟ إذن اكتفي بعينيّ، اكتفي بتلك التي تراكِ النظرَ كلّه وجمال الحيـاة.
حاصرها على سريرِ تلكَ الغرفـةِ الخاويـة، ستُصبحُ هذه الغرفـة عرشَ التقائهما بعد الغيـاب، استقبلتنا مرّتين بعد انقطـاع، أوّلها حين ابتعدتْ، وثانِيها حين ابتعدتِ. كيفَ تُعشقُ الأماكِن؟ دائمًا ما تصبحُ جميلةً حينَ تكُون رمزًا في الحُب، وهذهِ أصبحَت رمزَ التقائنا وتفاؤلي يا ديما.
،
كانت قد جلسا في المجلس، غيداء تفركُ كفيها بتوتر، ينتزعها الخوفُ من استيعابِ ألوانِ المكـان، في حينِ كانت غزل كعادتها تقيّم كل مكانٍ تجلسُ فيه لأوّل مرّة، عيناها تطوفانِ بهدوءٍ في رقيَّ المكـان، تبتسمُ ابتسامةً هادئة وهي تضعُ ساقًا على أخرى بخيلاء. في حينِ نظرت إليها غيداء وهي تهمسُ بتوجّس : عجبك الوضع الحين؟
غزل تبتسم ببساطةٍ وتنظُر نحوها : مرررة، من المكان واضح إنّ عايلتها راقية ، فتطمّني من ناحية البنت أخوك مخرّف.
غيداء بغضب : احترمي نفسك كم مرة قلت ...
قاطعها دخُول سارة التي كانت تبتسمُ برقّةٍ وترتدي فستانًا مشجّرًا ناعمًا يصلُ إلى أسفلُ ركبتيها. دخلَت برقّةٍ وهي ترحّب بهما، سلّمت على غزل ومن ثمّ غيداء التي كانت تُطالعها بتوتر.
سارة بترحيب : يا هلا فيكم يا هلا ، أخيرًا غيداء تنازلت وزارتني!!
صمتت غيداء ولم ترد، لتبتسمَ غزل برقّةٍ وتردّ عنها : هالبنت خجولة ما عليك، كانت مستحية تجييك بس أصرّيت عليها.
سارة تجلسُ بجانب غزل : شدعوى تستحين مني؟ تراني زميلتك وبصير صديقتك إن شاء الله.
شتت عينيها والوضعُ لا يعجبها، تفكيرها ينصبُّ في كونها جاءت إلى سارة! إليها هي، وبدونِ إذن عناد.
،
كانَ الجميعُ قد اتّجهَ للعشـاء، بقيَ هو في المجلسِ بصدرٍ يضيقُ ومزاجٍ لازال سيء، رغبتهُ في الابتعاد تزدادُ وطأةً في عقله، يفكّر كثيرًا بتركَ المكان والخروج، لكنّه تراجعَ وهو يزفُر ويُعيدُ رأسهُ للخلفِ حتى يسندهُ على ظهرِ الأريكةِ ويُغمضَ عينيه، داهمهُ نعاسٌ مجنون في وقتٍ خاطئ، لربما أرادَ عقلهُ أن يهربَ حتى بعد القهوةِ التي شربها وظنَّ أنها ستحيل النومَ عنه. فتحَ عينيه وزفَر، أسندَ مرفقيه على ركبتيه ومن ثمّ رأسهُ على كفيه، يفكّر كثيرًا بالذي هوَ فيه، كيف سينتهي؟ كيفَ ستغلقُ أبوابُ هذا الضيـاع وهذا الجحيم؟
بلل شفتيه وسكَن كما هوَ لدقائق، سمعَ صوتَ خطواتٍ تدخُل، لذا رفعَ رأسهُ بسرعةٍ ليُفاجأ بسلمان الذي نظَر إليه بهدوءٍ لا يناسبُ سواه، هدوءٍ كعادتـه، هدوءٍ يستفزّه.
انقبضَ قلبهُ باضطرابٍ وشتت عينيه وهو يسمعهُ يلفظ بجمود : مو عيب عليك تسحب كذا؟ ليه ما قمت؟
سلطان ببرودٍ وهو يصدُّ وجهه عنه : وش تبي بالضبط؟ كافي إنّي مختنق من هالمكان.
سلمان يتحرّك بجمودٍ ليجلسَ بجانبهِ وكأنّ لا شيءَ بينهما، عضّ سلطان شفتهُ بغضبٍ وكاد ينهض، لكنّ سلمان ضحكَ باستفزازٍ وهو يلفظ : صاير مثل الحريم تهرب من أعداءك ، * بحدة * خلّك رجّال ولا تصير كل ما جلست بمكان قمت منه!!
استطـاعَ استفزازه، نهضَ سلطان بغضبٍ ووقفَ أمامه مباشرةً وعينـاهُ تفيضانِ بحممٍ لا قرارَ لها، بحقدٍ يكتسيه الأسى والخذلان، الخيبة التي اعتلت قلبه! ، رفعَ سلمان عينيه إلى عيني سلطان ببرود، يقرأ كلَّ خذلانه، كلَّ أسئلتهِ التي ابتدأت بـ " لمَ "! لمَ فعلَ به ذلك؟ لمَ قتلَ أخـاه؟ واقتربَ منه بهذا الشكلِ بعد جريمته؟ لمَ خذله؟ لمَ أسكَن هذا الوجعَ في صدره؟ لمَ فعل كلَّ ذلكَ وأصبح الذنبُ الأوّل ألفًا؟ لمَ!!
تنفّس بعنفٍ وشدّ على قبضتيه بقهرٍ وهو يهزُّ رأسهُ بالنفي ويلفظَ بتحشرج : ليه سوّيت كل هالشيء فيني؟
بقيَ ينظُر إليهِ ببرودٍ ولم ينبس ببنت شفة، تابـع سلطان بانفجـار : ما كان فيه داعي تربّيني، تحبّبني فيك كذا!! ما كان فيه داعي تلبس قناع المُحب لأخوه قبل ولـده .. ليه أنت كذا مجرّد من الإنسانية؟ تقتل القتيل وتمشي بجنازته! وعليها تربّي ولده بعد!!
.
.
.
انــتــهــى
وموعدنا الجـاي يومْ الأحد بإذن الله
واللي ودهم يحصّلون وقت محدد بأيام محددة اعذروني ما عندي امكانية أبدًا بهالفترة.
ودمتم بخيـر / كَيــدْ !
|