الفصل الثامن ... سيل المفاجآت
ارتفع حاجبا الدكتور (أحمد صبرى)، جرًَّاح المخ والاعصاب الشهير، عندما فوجئ بمدير المخابرات العامة المصرية، امام باب منزله، فى تلك الساعة، وبدا انفعاله واضحاً، وهو يقول:
سيادة الوزير؟!... ياله من شرف، أن اتلقى زيارتك هذه، فى منزلى المتواضع .
ابتسم مدير المخابرات، وهو يقول، مشيراً بيده:
- وهل ستدعونى إليه؟!
أفسح الدكتور (أحمد) المجال، وهو يقول بنفس الانفعال:
- بالتاكيد يا سيادة الوزير ... تفضل على الرحب والسعة .
دلف الوزير إلى المنزل، فى حين ألقى الدكتور (أحمد) نظرة خارجه، فأشار الوزير بيده مرة أخرى، وهو يقول:
- طاقم حراستى لن ينضم إلينا؛ فحديثنا ودَّى للغاية .
أغلق الدكتور (احمد) باب المنزل والتفت إلى مدير المخابرات، قائلاً:
- أنت مرحًَّب بك فى منزلى دوماً يا سيادة الوزير .
جلس الوزير على مقعد قريب، وأشار للدكتور (احمد) بالجلوس أمامه، وهو يقول فى جدية:
- أنت تذكر بالتأكيد ما حدث فى حفل زفاف شقيقك
بدا الأسى على وجه الدكتور (أحمد)، وهو يقول:
- لا يمكننى محو هذا من ذاكرتى أبداً.
تطلع إليه مدير المخابرات لحظات، ثم قال فى حسم:
- لقد أخبرتنى انك قد رأيت يد المقدًَّم (منى) تتحرًَّك، بعد أن نقلها (ن-1) إلى سيارته.
بدا الحذر على وجه الدكتور (احمد)، وهو يجيب:
- هذا صحيح.
اعتدل مدير المخابرات على مقعده، قائلاً:
- عندما استعدت تلك الذكرى، وجدت امراً يدهشنى، ولا يتفق مع كل ما اعرفه عنك.
تزايد حذر الدكتور (أحمد)، وهو يتساءل:
- أى أمر يا سيادة الوزير؟!
تفرًَّس مدير المخابرات ملامحه لحظة، قبل ان يقول:
- (ن-1) هو شقيقك الوحيد، وعلاقتكما قوية للغاية، وخاصة بعد مصرع واغتيال والدكما فى (لندن) ... أليس كذلك؟!
تمتم الدكتور (احمد)، وهو يشيح بوجهه؛ فى محاولة لإخفاء انفعاله:
- بالتأكيد .
بدا المدير صارماً، وهو يقول:
- وعلى الرغم من هذا، فقد واصلت حياتك على نحو طبيعى، لا يتفق مع حزن شقيق، على فقد شقيقه الوحيد .
لم ينبس الدكتور (أحمد) ببنت شفة، ولكن توتره أفصح عن الكثير، وخاصة بالنسبة لعينين فاحصتين خبيرتين، فتابع مدير المخابرات، محاولاً تهدئة الحوار :
- الواقع أننى، لو كنت فى موضع (ن-1)، ومع ما به من إصابات، وما أصاب زوجته وحبيبة عمره، وشعرت بانها تحتاج إلى أصابع خبيرة، وإلى اسعاف طبى دقيق، واخشى فى الوقت ذاته، ان يستغل اعدائى لحظات ضعفى الزائدة، فسأحاول اللجوء إلى اكثر شخص أثق به، فى هذه الحياة ... شخص لديه كل المهارات الطبية اللازمة، وسيبذل حياته، لو اقتضى الأمر، فى سبيل حمايتى، وانقاذ الإنسانة، التى لا أتردًَّد فى بذل حياتى من اجلها.
أشاح الدكتور (أحمد صبرى) بوجهه أكثر، وهو يغمغم، فى توتر شديد:
- الواقع يا سيادة الوزير ...
قاطعه الوزير، فى صرامة شديدة:
- لماذ غادرت مكان الحفل بهذه السرعة، عقب ما حدث؟!
جف حلق الدكتور (أحمد)، مع السؤال المباغت، ولم يحر جواباً، فتابع مدير المخابرات بنفس الصرامة:
- عندما أعدت فحص سجلات هاتفك الخاص، وجدت أنك قد تلقيت اتصالاً، من رقم مجهول، عقب انصراف (ن-1)، وهو يحمل المقدًَّم (منى) المصابة فى سيارته ... وطبقاً لمعلوماتنا، قليلون هم من يمتلكون أرقاماً غير قابلة للظهور فى (مصر) .
جف حلق الدكتور (أحمد) أكثر، ومال الوزير نحوه بشدة، وهو يسأله بكل الصرامة:
- من أجرى اتصاله بك يا دكتور (أحمد)؟!
صمت الدكتور (أحمد) لحظات، وبدا وكأن صراعاً عنيفاً، يعتمل فى نفسه، قبل أن يجيب، فى صوت شديد الخفوت:
- (أدهم) .
نجح المدير فى سماع الاسم، على الرغم من خفوت الصوت، فاعتدل فى ارتياح، وهو يغمغم:
- لقد كنت على حق، فيما ذهبت إليه إذن.
حاول الدكتور (أحمد) أن يقول شيئاً، إلا أن جفاف حلقه الشديد أعجزه عن هذا، فتمتم فى صعوبة:
- أحتاج إلى جرعة ماء.
أشار إليه المدير بيده، فنهض يحضر زجاجة ماء، شرب نصفها على الأقل، قبل أن يقول المدير فى حزم:
- إنهما على قيد الحياة ....أليس كذلك؟!
تردًَّد الدكتور (أحمد) لحظات، ثم قال:
- إصابات (أدهم) كانت محدودة، وأمكننى إسعافه إلى حد كبير، أما إصابات (منى)، فقد كانت شديدة الخطورة.
كرًَّر المدير فى توتر:
- ولكنهما على قيد الحياة.
تابع الدكتور (أحمد)، وكأنه لم يسمعه:
- (أدهم) كان يرغب فى الاختفاء تماماً، حتى يستعيد عافيته، وحتى يمكن أن تنجو (منى)؛ لأنه كان واثقاً من ان أعدائه سيواصلون تربصهم به وبها، لو علموا انهما على قيد الحياة ... ولأن خبرته بعالمكم بالغة، فقد رأى أن وجوده فى اى مكان تعرفونه، يمكن ان يقودكم إليه، ومادمتم تستطيعون التوصًَّل إليه، فأعدائه سيستطيعون .
تساءل المدير، وهو يكتم انفعاله فى صعوبة:
- أهذا مبرًَّر اختفائه؟!
أجابه الدكتور (أحمد)، وهو يشعر أنه يفشى سراً خطيراً:
الواقع أنه كان يشعر بالألم؛ لأن ما أصاب (منى)، كان بسبب رغبة اعدائه فى الخلاص منه؛ لذا فقد أقسم ألا يعود إلى عالم المخابرات، قبل ان تنجو، وتتعافى ايضاً.
قال المدير، فى اهتمام شديد:
لقد بحثنا عنهما فى كل مكان، ولم نعثر على اى أثر لهما، ولا حتى على سيارة
(أدهم).
أشار الدكتور (احمد) بيده، قائلاً:
- على الرغم من إصاباته، كان (أدهم) يدير الأمر فى سرعة، ودون إضاعة لحظة واحدة، بحيث يقود أعدائه إلى مسارات وهمية، تربكهم، وتشتت جهودهم، إلى ان يبلغ القدرة على مواجهتهم، ويؤمًَّن الرعاية والحماية لزوجته، فى الوقت ذاته .
انعقد حاجبا المدير، واستعاد صرامته، وهو يقول:
- لم أحصل على أجوبة شافية بعد .
زفر الدكتور (أحمد) زفرة حارة، وقال:
- سيارة (أدهم) ترقد فى قاع النيل... لقد قدتها بنفسى إلى منطقة شبه خالية بالقرب من (حلوان)، وتركتها تسقط فى النيل، بناءً على طلبه.
سأله فى صرامة:
- وماذا عن (منى)؟!
أشار الدكتور (أحمد) بيده مرة أخرى، وهو يجيب:
- لقد طلبت منه اللجوء بها إلى عيادة خاصة لصديق قديم، له باع طويل، فى علاج إصابات الحروب، وهناك حوًَّلنا حجرة عمليات، ملحقة بعيادته، إلى مستشفى خاص، أجرى فيه صديقى خمس عمليات جراحية متوالية لـ (منى)، مع وضعها تحت رعاية خاصة، حتى تجاوزت مرحلة الخطر.
تنفًَّس مدير المخابرات فى ارتياح شديد، وهو يغمغم:
- إذن فهما على قيد الحياة.
هزًَّ الدكتور (أحمد) كتفيه، مجيباً فى حذر:
- (منى) تحتاج إلى فترة نقاهة طويلة، وقد تتعرًَّض إلى نكسة شديدة، لو واجهت عنفاً من أى نوع.
كان من الواضح أن الدكتور (أحمد) يحاول إخفاء شئ ما، فسأله المدير فى حزم:
- أمازالا فى (مصر)؟!
هزًَّ الدكتور (أحمد) رأسه نفياً، قبل ان يجيب:
- كًَّلا، ما ان استعادت (منى) قدرتها على الوقوف على قدميها، حتى قرًَّر (ادهم) ان يسافرا خارج البلاد، إلى مكان لا يصل إليهما فيه أعداؤهما قط.
سأله المدير فى لهفة، لم يستطع كتمانها:
- إلى أين؟!
مطًَّ الدكتور (أحمد) شفتيه، وأجاب ملوًَّحاً بيده:
- لست أدرى.
انعقد حاجبا المدير مرة أخرى، فى صرامة غاضبة، وهو يعتدل فى مقعده، قائلاً:
- دكتور (أحمد).
أجابه الدكتور (أحمد) فى سرعة:
- أقسم لك إننى لست أدرى ... (أدهم) أخبرنى أن أفضل وسيلة؛ لحفظ أى سر، هى ألا يتجاوز صاحبه ... كل ما أعلمه أنه كانت لديهما جوازات سفر، أعدًَّها لها (قدرى)، منذ زمن ليس بالبعيد، وأنهما سيستخدماها للسفر، ولكن (أدهم) لم يخبرنى إلى أين.
تطلًَّع إليه المدير لحظات، ثم أغلق عينيه، وهو يغمغم:
- ولكنهما على قيد الحياة ... هذا هو المهم...
وكان على حق تماماً...
فرواية الدكتور (أحمد) تقول : إن (أدهم) و(منى) مازالا على قيد الحياة ...
وهذا هو الأهم ...
فى الوقت الحالى على الأقل ....
* * *
أحاطت السيارتان القويتان، رباعيتا الدفع، بسيارة (ريو)، وانطلقت منهما الرصاصات كالمطر، على جانبى سيًَّارته ...
وبينما انحنى (قدرى)، فى محاولة لتفادى سيل الرصاصات، ضغط (ريو) فرامل سيارته فى قوة، فانخفضت سرعتها على نحو مباغت، جعل السيارتين تتجاوزانها بعدة أمتار...
ومع التراجع المفاجئ، انطلقت الرصاصات من كل سيارة؛ لتصيب السيارة الاخرى، وبعض الموجودين بها، قبل أن تهتف (تيا) من إحداهما :
- اللعنة ... إنه هو .
أدار (ريو) عجلة قيادة سيارته، فى مهارة مدهشة، فدارت حول نفسها، متخذة مساراً عكسياً، ثم اندفع بها يعبر الطريق الرملى القصير، الذى يفصل اتجاهى السير، ويقفز بها إلى الاتجاه العكسى، ثم يطلق لسرعتها العنان ...
ومن أسفل المقعد الخلفى، هتف (قدرى) :
- ماذا يحدث؟!...
صاح به (ريو) فى صرامة:
- ابق منخفضاً .
كانت السيارتان القويتان قد استدارتا بدوريهما، وعبرتا الطريق الرملى القصير أيضاً، وانطلقتا تحاولان اللحاق بسيارة (ريو)، الذى زاد من سرعة سيارته إلى الحد الأقصى، وهو ينطلق فى خط مستقيم، إلا أن السيارتين اقتربتا منه مرة أخرى، فى نفس الوقت الذى رفع فيه (قدرى) رأسه، قائلاً فى اضطراب :
- لماذا يسعون لقتلى؟!
صرخ فيه (ريو)، وهو يدير عجلة قيادة سيارته فى قوة:
- قلت: ابق رأسك منخفضاً .
وثبت السيارة فجأة، من الطريق إلى حقول جانبية، وعلى نحو أربك السيارتين المطاردتين، فصاحت (تيا) فى قائد سيارتها فى غضب:
- ساقتلك لو أفلت منك .
وثبت السيارتين بدوريهما، خلف سيارة (ريو)، الذى اخترق الحقول الكثيفة فى سرعة، وهو يقول مازحاً، على الرغم من دقة الموقف:
- من حسن حظنا أن موعد رى الحقول لم يحن بعد .
لم يستطع (قدرى) مقاومة قلقه، فرفع عينيه، على الرغم من تحذير (ريو)؛ ليلقى نظرة على مطارديه، واتسعت عيناه فى رعب، عندما شاهد السيارتين القويتين تقتربان من سيارة (ريو)، وأحد ركاب السيارتين يبرز مع مدفعه الآلى، فصاح، وهو يخفض رأسه مرة أخرى:
- سيطلقون النار ثانية .
لم يكن (ريو) بحاجة إلى ذلك التحذير، بعد ان لمح المشهد، فى مرآة سيارته الجانبية، فانحرف بالسيارة مرة أخرى فى حدة، منطلقاً نحو بقعة، تتكاثف فيها الأشجار، وهو يقول فى صرامة:
- دعنا نختبر مهارتهم، فى القيادة بين الأشجار .
طاشت رصاصات المدافع الآلية مرة أخرى، مع انحرافته المفاجئة، وانحرفت السيارتان خلفه، ولكنه اقتحم منطقة الأشجار الكثيفة، وانطلق بين الأشجار المتقاربة، فى مهارة فائقة، وحاولت السيارتان القويتان خلفه مجاراته، إلا أن حجم سيارته الأصغر كان مفيداً هذه المرة، وسط الأشجار المتقاربة، إذ لم تنجح إحدى السيارتين فى تفادى الأشجار، فارتطمت بواحدة منها فى قوة، فى حين احتجز تقارب الأشجار السيارة الثانية، والتى كانت تستقلها (تيا)، التى أطلقت صرخة غاضبة، وهى تشاهد سيارة (ريو) تبتعد، وهى تتفادى الأشجار فى مهارة بالغة، على الرغم من سرعتها، حتى توارت عن الأنظار تماماً، فالتفت إليها قائد سيارتها فى هلع، وهو يقول مرتجفاً:
- لقد حاولت يا سيدًَّتى، ولكن ...
قبل أن يتم عبارته، كانت رصاصاتها تخترق رأسه، وهى تقول فى غضب:
- أخبرتك أننى سأقتلك، لو أفلت منك.
امتقعت وجوه من تبقى من رجالها، فى حين اعادت هى مسدسها إلى حزامها، كما لو أنها قد أطلقت النار على جرذ صغير، وهى تسأل فى هدوء، لا يتناسب مع الموقف :
- كم تبقى من رجالنا؟!
اجابها احدهم، محاولاً إخفاء ارتجافة صوته:
- لقد خسرنا سبعة رجال، وتبقى ثلاثة فحسب.
مطًََّت شفتيها، مغمغمة:
- هذا يكفى.
ثم التقطت هاتفها، وطلبت رقم ذات اليد الناعمة، ولم تكد تسمع صوتها، حتى قالت فى حزم:
- إنه هو .
وانهت الاتصال، دون أن تضيف حرفاً واحداً....
أى حرف...
* * *
" رصاصاتهم قتلت رجليهما...."...
نطق (ريو) العبارة فى لا مبالاة، وهو يخرج جثتى الرجلين المقيًَّدين، من الحقيبة الخلفية لسيارته، وراقبه (قدرى) فى صمت، وهو يحاول مسح الدماء من الحقيبة، مضيفاً:
- لقد أطلقوا النار بغزارة، على مؤخرة السيارة أيضاً.
غمغم (قدرى)، وهى يواصل التطلع إليه:
- لو أن رصاصاتهم اخترقت حقيبة السيارة الخلفية، وقتلت زميليهما، فلماذا لم تخترق جانبى السيارة أيضاً؟!
أجابه (ريو) فى بساطة:
- أبواب السيارات كلها مزوًَّدة بحواجز معدنية ... هكذا يحتم قانون المرور .
تطلع (قدرى) لحظات إخرى، إلى ملامح (ريو) الهادئة، على الرغم مما واجهاه، ثم قال، فى شئ من الصرامة:
- مهارتك فى القيادة تفوق المعتاد .
ابتسم (ريو)، وهو يشير إلى صدره، قائلاً:
- (ريو) ملك التاكسى.
قال (قدرى) فى بطء صارم:
- مهارتك تفوق هذا بكثير.
بدا (ريو) مزهوًَّاً، وهو يقول:
- (ريو) يشعر بفخر حقيقى .
انعقد حاجبا (قدرى)، وهو يتفرًَّس ملامحه فى إمعان، قائلاً:
- كيف ستبرًَّر آثار الرصاصات فى سيارتك؟!
هزًَّ (ريو) كتفيه، قائلاً فى بساطة:
- لن يكون هذا سهلاً بالتأكيد .
ازداد انعقاد حاجبى (قدرى)، وهو يقول فى حزم:
- لماذا لا تفصح عن هويتك الحقيقية يا (أدهم).
توًَّقف (ريو)، وأطلق زفرة حارة، قبل أن يقول:
- لقد سئمت هذا فى الواقع.
وأغلق الحقيبة الخلفية لسيارته فى حدة، وهو يتجه نحو (قدرى)، وينحنى أمامه، قائلاً فى شئ من العصبية:
- هيا ... اجذب شعرى وحاجبًَّى كما يحلو لك يا مسيو؛ لكى توقن من أننى لست متنكراً .
هم (قدرى) بجذب شعره وحاجبيه بالفعل، لولا أن بدا له سخافة هذا، فقال فى عصبية:
- مهارتك فى القيادة احترافية إلى حد مدهش، وهدوء اعصابك فى احلك المواقف، ينم عن خبرة واعتياد، لا يتميًَّز بهما أى سائق عادى.
اعتدل (ريو)، وهو يقول فى ضيق:
- أخبرتك أكثر من مرة، أننى لست سائقاً عادياً... انا ملك سائقى التاكسى، فى (اوروبا) كلها، ولم أخف عنك أننى قد تلقيت تدريباً مكثفاً، فى المخابرات السوفيتية.
اندفع (قدرى) يقول فى حدة:
- ولكننى، ككل من يعمل فى مجالى، لا أؤمن بالمصادفات.
بدا (ريو) حذراً، وهو يقول:
- أية مصادفات؟!..
مال (قدرى) نحوه، وهو يقول بنفس الحدة:
- لا يمكن أن تقنعنى بانها مصادفة بحتة، ان أصل إلى (باريس)، فأجد عميلاً سابقاً للمخابرات السوفيتية، يعرض علىًَّ أن يقلنى إلى حيث أريد، ولديه استعداد لمواجهة مخاطر رهيبة، كالتى واجهناها معاً، دون حتى أن يشكو أو يخاف .
تطلع إليه (ريو) بضع لحظات فى صمت، قبل أن يلوًَّح بيده، قائلاً:
- يمكنك أن تقول: إن حنينى لأيام العمل، كعميل للمخابرات، يجعلنى أستمتع بما نمر به، على الرغم من خطورته.
هزًَّ ( قدرى) رأسه، نفياً، وهو يقول:
- هذا ليس كافياً لإقناعى.
ثم رفع سبًَّابته، مضيفاً فى صرامة:
- فمازلت لا أؤمن بالمصادفات.
صمت (ريو) مرة أخرى، وهو يتطلع إليه، قبل أن يقول فى بطء:
- حسناً ... أنت تفوز .
خفق قبل (قدرى)، وهو يغمغم:
- بماذا؟!..
لوًَّح (ريو) بذراعه، بحركته المسرحية المعتادة، وهو يقول:
- أنت على حق ... الأمر ليست به أية مصادفات.
خفق قلب (قدرى) أكثر، وهو يغمغم فى انفعال:
- حقاً؟!...
مال (ريو) نحوه، قائلاً:
لقد كنت فى انتظارك، من قبل حتى أن تهبط طائرتك، فى مطار (أورلى).
ثم استدار يلتقط شيئاً من درج سيارته، واعتدل يضعه امام وجه (قدرى) مباشرة، مستطرداً:
- وكانت معى هذه.
حدًَّق (قدرى) فى صورة كبيرة له، يحملها (ريو) فى يده، وشعر بلهفة شديدة إلى جرعة ماء، وهو يقول بصوت مختنق:
- إنها صورتى.
خفض (ريو) الصورة، وهو يلوًَّح بذراعه الاخرى، قائلاً :
- (لوجراند) اعطانى إياها، وطلب منى أن انتظر قدومك، وان أظل معك، حتى تقرًَّر العودة.
عاد حاجبا (قدرى) ينعقدان بشدة، وهو يغمغم:
- (لوجراند)؟!... أهذا اسم من أرسلك، أم صفته؟!..
هزًَّ (ريو) رأسه، قائلاً فى اعتزاز:
- لست أدرى ما اسمه بالضبط، ولكنه يستحق لقبه عن جدارة ... لقد عاوننى قديماً، فى الخلاص من ملاحقة المخابرات السوفيتية، وسأظل مديناً له بالفضل ما حييت .
شعر (قدرى) بحرارة تسرى فى كيانه، وهو يميل نحوه، ليسأله فى لهفة:
- هل يمكنك أن تصف لى (لوجراند) هذا؟!..
رفع (ريو) عينيه، إلى ما خلف ظهر (قدرى)، وهو يقول:
- لست أظن الوقت يسمح بهذا.
ثم جذب إليه (قدرى) فجأة، ودفعه معه جانباً، فى نفس اللحظة التى انطلقت فيها رصاصة، تجاوزتهما، مع حركتهما المفاجئة، واخترقت الزجاج الجانبى لسيارة (ريو)...
ومن بين الاشجار، برزت (تيا)، مع رجالها الثلاثة، وهى تصوًَّب سلاحها نحوهما، قائلة فى ظفر:
- أخيراً يا (أدهم) .
واتسعت عينا (قدرى) عن آخرهما، عندما اعقبت قولها بالضغط على زناد مسدسها ...
وانطلقت رصاصتها ..
نحو الهدف ...
مباشرة.
* * *